Translate

الأربعاء، 21 فبراير 2018

التنوّع يعتبر خاصّية حياتيّة

خلق الله البشر بألوان وأشكال وأحجام وأطوال مختلفة لحكمة هو يراها، ويمكننا البحث في كنهها ومرادها. تنوّع البشر بهذا الشكل يعتبر ميزة وليس عيباً، ويعتبر لحمة لبني البشر وليس فرقة بينهم.
إن التنوّع بين البشر هو كمثل تنوّع ألوان الحياة. فكما أن تعدّد الألوان في هذه الحياة يجعلها جميلة وممتعة ومسرّة للنظر، فإنّ تنوّع البشر يخلق بينهم التنافس، وهذا التنافس يؤدّي إلى المزيد من الإبداع برغبة المضي بالحياة قدماً إلى الأمام.
كل منّا يرى الحياة بمنظار مختلف وذلك لا عيب فيه، فنحن كما أسلفت أعلاه خلقنا مختلفين ومن ثمّ فتفكير كل منّا لابد وأن يحتلف عن تفكير الثاني، وهذا الإختلاف له من الإيجابيّات أكثر من سلبياته.
إنّ من يرى منّا التنوّع في هذه الحياة التي نعيشها ظاهرة صحيّة هو فقط ذلك الذي يقدر على رؤية الأفق أمامه واسعاً ورحباً، وهو بذلك تكون إختياراته كثيرة ومتعدّدة بقدر كونها متنوّعة.
عندما تكون إختياراتك متنوّعة تستطيع أن ترى الحياة أكثر إنفتاحاً وأيسر وقعاً، حيث أنّك تستطيع أن تنوّع إختياراتك ويسهل عليك تحديد أولوياتك بدون الكثير من العناء. حينما تكثر إختياراتك يرتفع عندك معدّل القناعة مما يقلّل رغبة التملّك لديك وتتحوّل إلى ما يشبه الزاهد في هذه الدنيا، لأنّ حدود السعادة عندك سوف تكون واسعة وأشكالها متعدّدة ودوافعها كثيرة.
الإنسان الذي تتوفّر لديه إختيارات كثيرة هو ذلك يمتلك أسرار السعادة بين يديه، وهو من يقدر على خلقها لأنّه إن هو فقد هذه فيعرف يقيناً بأنّه يقدر على إمتلاك تلك، ومن ثمّ تصنع عنده القناعة ويغمره شعور الرضاء بما توفّر.
في المقابل فإنّنا نجد أن أصحاب العقول الضيّقة والتفكير المنغلق هم من يخاف من "المجهول" ولا يثق في المستقبل، ومن ثمّ نجده يتشبّث بالأشياء ويلتصق بالمادّيات ويتحوّل إلى إنسان آناني يكون مستعدّاً للتنازل عن كل قيمه ومبادئه من أجل تحقيق رغباته.
من هنا يمكننا الإستنتاج بأن ذلك النوع من البشر "المتفتّح" على الحياة هو من يرى الدنيا فسيحة ومتسعة فتكون الإختيارات أمامه كثيرة ممّا يولّد عنده الشعور بالقناعة والرضاء فتنحسر عنده شهيّة التملّك ممّا يرفع في داخله مقدار الذوق فيصبح متحضّراً ومتمدّناً، وحينها فقط يبخس عنده التشبّث بالأشياء لمصلحة الغير الذين يتحوّلون من غرباء إلى أحباء، وبذلك تنشرح الحياة أكثر وتتسع أركانها فتصبح رحبة وجميلة.... وممتعة.
الطمّاع هو من يرى الدنيا ضيّقة وخيراتها قليلة وبقيّة البشر المحيطين به في مرتبة الأضداد أو الأعداء الذين يتوجّب عليه التخلّص منهم إو إبعادهم... أو إقصاءهم مهما كان الثمن، ولو كان ذلك من خلال "حزام ناسف" أو "سيارة مفخّخة".

الجمعة، 9 فبراير 2018

الحب والحلم والحنان... هي مفاتيحكم لقلب الإنسان

 الإنسان هو نفس الإنسان أينما حل وكيفما فكّر وحيثما كان. علينا أن نتعامل مع بعض كبشر بعيداً عن تلك "النعرات" التي تفرّق بيننا دون أن تفيدنا أو "بواقعيّة" تجعل بعضنا أفضل من غيره. 
 أنا أتحدّث هنا بصدق وبكل تجلّي، وبعيداً عن المبالغة... أتحدّث من الواقع ومن التجربة وأعني ما أقول. القصد من كلامي هذا هو أن البشر هم بشر ولا فرق بينهم على الإطلاق في الجوهر وفي الأساس وفي التعامل الإنساني ولا علاقة للدين في هذا.
هناك بيننا من يظن(يتوهّم) بأننا نحن المسلمين دائماً على حق وبأنّهم هم "الكفّار" دائماً على خطأ، وبأنّ ديننا هو من يهذّب أخلاقنا ويحسّن تعاملنا مع الآخرين. أنا بكل تأكيد أختلف مع ذلك الطرح ولا يمكنني قبوله على الإطلاق إنطلاقاً مما أرى في بلداننا العربية والإسلاميّة وما أراه هنا عندهم من معاملة حسنة وتعاملات راقية.
هناك من بيننا من يقول بأنّهم يحتقروننا وينظرون إلينا بنظرة دونيّة ويكرهوننا بسبب ديننا أو بسبب عرقنا أو بسبب إنتمائنا، لكنّني أختلف كذلك مع مثل هكذا طرح لأنّني أراه مجانباً للحقيقة ومختلفاً عن الواقع وفيه الكثير من التجنّي من منطلق عدم المعرفة أو "الإصرار" على عدم المعرفة.
في عيادة المساء من نهار هذا اليوم كان أحد مرضاي إنجليزي في آواخر الستين من عمره وهو يتردّد على عيادتي لأكثر من سنة بغرض العلاج وهو بكل تأكيد سعيداً بعلاجه وممتنّاً للمعاملة التي ينالها، وكان قد عبّر عن ذلك في أكثر من مرّة حضر فيها إلى العيادة. قال لي اليوم: أنا سعيد بعلاجي وممتنّاً للمعاملة الطيّبة التي أحظى بها لكنّني أحسّ بالأسى أحياناً حينما أرى بشراً يتعذّبون في بقاع شتّى من العالم. كم تمنّيت لو أن العالم جلس مع بعض وتحادث وتسامر وتعاون من أجل البحث عن حلول لمشاكل الناس بدل الإكثار منها وتأجيجها من خلال الحروب والإقتتالات والمكائد والمؤامرات.
أعجبني كلامه كثيراً لأنّني أحسست بأنّه نابع من عميق آحاسيسه وأعرف يقيناً بأنّه يقصد ما يقول ويعبّر عمّا يختلج في داخله من خلال معرفتي به وبكم الحب والحنان الذي يسكن في قلبه.
هذا مثال بسيط من مئات من المواقف الرائعة التي أتعرّف عليها من خلال تعاملي مع مرضى طيّبين يتعاملون هم معي كصديق وكأخ قبل أن ينظروا إليّ كطبيب، أما من أين أتيت ولأي أصل أنتمي وبأي ديانة أدين فمثل تلك الأمور لا يحفل بها الناس الطيّبون خاصّة حينما تشعرهم بقيم أنفسهم وحينما تعاملهم بتأدّب وإحترام. الناس هنا يقدّرون المعاملة الحسنة ويقدّرون الشخص الذي يحترمهم ويتعامل معهم كبشر. وهم بالفعل يحترمونك جدّاً حينما تجلس معهم وتشرح لهم وتستمع إلى إستفساراتهم وترد عليها بلغة يفهمونها. هم يحترمونك جدّاً حينما تستقبلهم ببشر وترحاب وتتحدّث إليهم كأصدقاء. تمزح معهم وتستمع إليهم يحكون لك أشياءهم الطريفة وتشاركهم أنت بالكثير من تجاربك الحياتية شارحاً إليهم ما يصعب عليهم فهمه مضيفاً إلى ذلك فهمك أنت للحياة طبيب وكمتعلّم وكمثقّف. أنا بصدق لم أجد هؤلاء البشر مختلفون عنّا في شئ من حيث الإنسانية والإحترام والتقدير، ولم ألمس قط عندهم أي إحتقار أو تقليل أو إستهانة أو تكبّر. أنا وجدتهم يحترمون الطبيب الفاهم الذي يتعامل معهم بلغة يفهمونها ويتواضع في تعامله معهم، ولم أستغرب ذلك إطلاقاً لأنّني أؤمن بأنّنا كلنا بشر خلقنا الله مثل بعض ببرمجة إنسانية متطابقة جداً وما الإختلافات التي بيننا إلّا من صنعنا نحن البشر لكنّها لم تكن مشيئة الله ولا هي من تخطيطه لنا.
علينا بأن نتعامل مع بعض في كل مكان في العالم كإخوة متحابّين بعيداً عن العنصريّة وبعيداً عن الحساسيّات وبعيداً عن الكراهية "المبيّتة"؛ فنحن بشر قبل أن نكون مسلمين أو مسيحيين أو يهوداً أو علمانيين أو حتى من الملحدين. البشر خلقوا قبل الديانات، والديانات إنّما جاءت فقط لتتمم مكارم الأخلاق... فعلينا أن نراها كذلك، وأن نحنّ على غيرنا مهما كان أصله أو عرقه أو معتقده. علينا بألّا نجعل من أنفسنا ممثّلي الله على الأرض، فالله يعرف كل صغيرة وكبيرة وهو قادر على تليين الصخر إن هو أراد. ربّنا خلق لنا هذه الحياة وفق حسابات ومعادلات وتقديرات هو وحده من يعرف كنهها ويعرف مغازيها ويعرف مآلاتها، فلنحترم أنفسنا ولنتعامل مع بعض كبشر تحت مظلّة ربّانيّة واحدة نشترك كلّنا في الإستظلال بها دون أن يتسلّط أحدنا على الآخر بخدعة أنّه إنّما هو "يدافع" عن دين الله ويعمل على حمايته. الله قادر على حماية دينه كما هو يحمي هذا الكون، ولا يحتاج إلى خدم له من البشر على الأرض. لو أن الله رغب في حواري له على الأرض لكان أرسل ملائكته المطيعين لأمره بدون كذب ولا نفاق ولا خداع، وما كان قد إحتاج إلى إنسان منافق وكذّاب ومخادع. كان قد خلق فيه تلك العيوب لغاية هو يعرفها ويمكننا - نحن البشر - ربّما تدبّرها والتفكير فيها والإستدلال على مغازيها وفوائدها ومراميها.... تصبحون على خير.